يرى مصطفى جانر في هذا التحليل أن الاحتجاجات المستمرة في إيران منذ أكثر من ثلاثة أسابيع خرجت سريعًا من إطار المطالب الاقتصادية إلى صراع ذي طابع سياسي وأمني، يتقاطع فيه الداخلي بالإقليمي والدولي. يوضح الكاتب أن الشأن الإيراني نادرًا ما ينفصل عن السياسة الخارجية، وأن ما يجري على الأرض يحمل دلالات جيوسياسية تتجاوز حدود إيران، خاصة في ظل حضور أميركي وإسرائيلي لا تحاول بعض الأطراف إخفاءه.
ينشر المقال على ديلي صباح، ويضع ما يجري في إيران ضمن سياق إقليمي أوسع تشكل بعد السابع من أكتوبر 2023، وهو تاريخ شكّل نقطة تحول حادة في معادلات الشرق الأوسط، وأعاد تعريف مصادر التهديد والاستقرار في المنطقة.
تحولات إقليمية قبل وبعد 7 أكتوبر
يشير المقال إلى أن الربيع العربي شكّل آخر زلزال جيوسياسي كبير قبل 7 أكتوبر، وأنتج بيئة إقليمية سمحت لإيران بتوسيع نفوذها في سوريا ولبنان والعراق واليمن. دفعت هذه التحولات دولًا عربية وإقليمية، مثل السعودية ومصر والإمارات والبحرين، إلى النظر لإيران كمصدر تهديد، خاصة خلال فترة الرئاسة الأولى لدونالد ترامب.
لكن مرحلة ما بعد جائحة كورونا، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية وتراجع المظلة الأمنية الأميركية، فرضت واقعًا مختلفًا. وجدت دول المنطقة نفسها أمام عالم غير مستقر، ما دفعها إلى إعادة تقييم خياراتها. في هذا السياق، اتجهت إيران والسعودية إلى تطبيع العلاقات عام 2023، كما سلكت العلاقات بين إيران ومصر المسار ذاته، بالتوازي مع مصالحة تركيا مع السعودية والإمارات ومصر. يعكس هذا التوجه بحثًا جماعيًا عن الاستقرار والأمن بدل الصدام المفتوح.
إسرائيل بوصفها مصدر عدم الاستقرار
يؤكد الكاتب أن ما بعد 7 أكتوبر كشف بوضوح أن إسرائيل أصبحت المصدر الأبرز لعدم الاستقرار الإقليمي. لم تقتصر أفعالها على حرب غزة، بل امتدت إلى لبنان وسوريا وإيران، بما يهدد الأمن الإقليمي برمته. تتقاطع الضربات المتبادلة مع أجواء دول عدة، وتتعرض دول مثل قطر لتداعيات غير مباشرة، ما يرفع منسوب المخاطر.
يربط المقال بين سياسات إسرائيل وبين أزمات أخرى في الإقليم، مثل السودان، وأرض الصومال، وتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن. يرى الكاتب أن إسرائيل لا ترغب في قيام دول قوية مستقرة ذات سيادة كاملة، بل تفضل بيئات مجزأة وهشة. في المقابل، تركز دول مثل تركيا والسعودية وقطر ومصر على دعم الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، وتتحرك وفق هذا المنطق في ملفات سوريا والسودان وأرض الصومال، مع تقاطع واضح مع الموقف الإيراني في بعض هذه القضايا.
دلالات الاحتجاجات الإيرانية
ينتقل المقال إلى قراءة الاحتجاجات داخل إيران، موضحًا أن الصراع لا يجري فقط بين المتظاهرين وقوات الأمن، بل بين رؤى جيوسياسية متنافسة. يلفت الكاتب إلى دور رضا بهلوي، الذي تطرحه بعض وسائل الإعلام الغربية كبديل محتمل، ويشير إلى علاقاته الوثيقة بإسرائيل ودعمه العلني لسياساتها، ما يكشف عن منطق سياسي أوسع تسعى إسرائيل من خلاله لاستثمار الاضطرابات الإيرانية.
في المقابل، تتخذ دول المنطقة مواقف حذرة. يصرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوجود دور إسرائيلي خلف بعض التحركات، مع الإقرار بوجود مشكلات داخلية إيرانية. تتحرك عُمان دبلوماسيًا عبر زيارة وزير خارجيتها لطهران، بينما يناقش وزراء خارجية السعودية وإيران تطوير العلاقات الثنائية. يعكس هذا السلوك رغبة إقليمية في احتواء الأزمة لا تفجيرها.
يفسر الكاتب صمت العديد من الدول العربية، خاصة الخليجية، بالخوف من انتقال عدوى الاضطرابات إلى الداخل، وبالخشية من استهداف إيراني مباشر. لكنه يشدد على أن الموقف الحالي يختلف جذريًا عن تصريحات سابقة للسعودية عام 2017، ما يدل على تحول عميق في الرؤية الإقليمية.
يخلص المقال إلى أن إسرائيل تكاد تكون الطرف الوحيد الذي قد يستفيد من انهيار إيران، بينما تدرك بقية دول المنطقة أن كلفة هذا السيناريو تفوق أي مكاسب محتملة. تحتاج المنطقة اليوم إلى الاستقرار والأمن، لا إلى دول منهارة جديدة. في هذا الإطار، يقرأ الكاتب الصمت الإقليمي والتعامل الحذر مع الاحتجاجات الإيرانية بوصفه دعمًا ضمنيًا لاستقرار الدولة الإيرانية، وليس تبنيًا لسياساتها، بل إدراكًا بأن البديل سيكون فوضى إقليمية أوسع لا يحتملها أحد.
https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/who-wants-the-collapse-of-the-regime-in-iran/amp

